خلق الله الإنسان ليتعايش مع بني جنسه من البشر، وسخّر له كثيرًا من النعم، وهيّأ له سبل الانتفاع بالمخلوقات والكائنات الأخرى، من الدواب والشجر، وما في باطن الأرض، وما في البحار، وما يأتي من السماء.
والتعايش شأن مهم في حياتنا الدنيوية، فنأخذ منه الدروس والعبر، ويمر في طريقنا اليومي، وله أثره في شؤوننا الخاصة والعامة، فالإنسان بطبيعته لا يستطيع أن يعيش منفردًا، ولا يمكنه أن يستغني عن الآخرين مهما بلغ من القوة أو العلم أو المكانة، وحياتنا مع الآخر ليست مجرد وجود أشخاص من حولنا، وإنما هي فن في التعامل، وفهم لما تكنه النفوس، وإدراك لطبيعة الاختلاف بين البشر، فالناس ليسوا نسخة واحدة، تختلف طباعهم، وتتفاوت أفكارهم، وتتعدد تجاربهم، ولكل إنسان ظروفه التي أسهمت في تكوين شخصيته ونظرته إلى الحياة، ومتى عرف الإنسان كيف يتعامل مع الآخرين، استطاع أن يعبر كثيرًا من المواقف بسلام، وأن يحافظ على راحته وراحة من حوله.
ومن الحكمة أن يعرف الإنسان حجم كل موقف، فلا يجعل من الأمور الصغيرة قضايا كبيرة، ولا يستنزف وقته وطاقته في جدال لا ثمرة منه، ولا يدخل في خصومات لا تزيد الحياة إلا تعبًا واضطرابًا، وفي بعض المواقف يكون القليل من التجاهل عين الحكمة، فليس كل قول يستحق الرد، ولا كل موقف يستحق المواجهة، ولا كل شخص يستحق أن نمنحه من وقتنا واهتمامنا ما لا يستحق، وقد قيل: «علاج الجاهل التجاهل» لكن الجاهل هنا ليس بالضرورة من يفتقر إلى العلم أو المعرفة، فقد يكون الإنسان قليل التعليم، لكنه يحمل من الأخلاق والحكمة وحسن التعامل ما يجعله أرقى من كثير من المتعلمين.
إنما الجهل الذي ينبغي أن نحذر منه هو جهل السلوك والتصرف، ذلك الذي يدفع صاحبه إلى الإساءة، والكذب، ونقل الكلام، ونشر الإشاعات، والتقول على الناس بما ليس فيهم، وبناء الأحكام على الظنون، وتحويل الشكوك إلى حقائق، وقد يعادي الإنسان غيره دون أن يعرفه حق المعرفة، وربما يبني موقفًا على كلمة سمعها، أو قصة نقلت إليه، أو ظن لم يتحقق منه، وهنا تبدأ المسافة بين الناس بالاتساع، ويصبح سوء الفهم بابًا للخلاف والقطيعة، والإنسان الواعي لا يجعل نفسه أسيرًا لكل ما يقال، ولا يسمح للآخرين بأن يقودوا مشاعره حيث يريدون، فهو يعرف متى يستمع، ومتى يوضح، ومتى يرد، ومتى يكون الصمت أبلغ من الكلام، ومتى يكون التجاوز أكثر حكمة من الاستمرار في المواجهة، وليس معنى التجاهل أن نسكت عن الظلم، أو نقبل الإساءة، أو نتنازل عن الحقوق، وإنما الحكمة أن نفرق بين موقف يحتاج إلى موقف، وموقف يحتاج إلى تجاوز، فليست القوة في أن تنتصر في كل نقاش، وإنما القوة في أن تعرف أي نقاش يستحق أن تدخله، وأي موقف يستحق أن تتجاوزه.
وفي حياتنا مع الآخر نحتاج إلى التسامح وسعة الصدر، وحسن الظن ما أمكن، واحترام الإنسان للإنسان، فالذي يعرف قيمة نفسه لا يحتاج إلى التقليل من الآخرين، والذي يملك الثقة لا يبحث عن صناعة العداوات، والذي يحمل السلام في قلبه لا يوزع الخصومة على من حوله، ومع ذلك، فإن حسن التعامل لا يعني أن نجامل الخطأ، ولا أن نسمح لأحد بتجاوز حدودنا، فهناك مواقف يكون فيها الحزم ضرورة، كما أن هناك مواقف يكون فيها العفو أجمل، ومواقف أخرى يكون فيها الابتعاد أكرم للنفس وأحفظ للسلام الداخلي.
إن أجمل ما في الإنسان أن يستطيع أن يعيش مع الآخرين دون أن يفقد نفسه، وأن يكون طيبًا دون سذاجة، ومتسامحًا دون ضعف، وحازمًا دون قسوة، وما أجمل أن نرد الكلمة الطيبة بأطيب منها، وأن نقابل الإساءة بالحكمة، وألا نجعل أخطاء الآخرين سببًا في أن نفقد أخلاقنا، فالآخر قد يكون مختلفًا عنا، وقد لا نتفق معه في الرأي أو الأسلوب أو طريقة التفكير، لكن الاختلاف لا ينبغي أن يتحول إلى خصومة، ولا أن يكون سببًا لإلغاء الاحترام، فإن الحياة لا تقوم على التشابه الكامل، وإنما تقوم على معرفة كيف نعيش مع الاختلاف، وكيف نحفظ للإنسان كرامته، ولأنفسنا أخلاقها، وفي هذا المعنى العظيم، جاءت رسالة الإسلام لترفع شأن الأخلاق وتجعلها أساسًا من أسس التعامل بين الناس، فما أجمل أن نعيش في هذه الحياة، ونترك خلفنا أثرًا يقول:
مرّ من هنا إنسان، فأحسن، وتسامح، وأكرم، ذلك الإنسان الذي لم يجعل اختلافه مع الآخرين سببًا في أن يفقد جمال أخلاقه.
والتعايش شأن مهم في حياتنا الدنيوية، فنأخذ منه الدروس والعبر، ويمر في طريقنا اليومي، وله أثره في شؤوننا الخاصة والعامة، فالإنسان بطبيعته لا يستطيع أن يعيش منفردًا، ولا يمكنه أن يستغني عن الآخرين مهما بلغ من القوة أو العلم أو المكانة، وحياتنا مع الآخر ليست مجرد وجود أشخاص من حولنا، وإنما هي فن في التعامل، وفهم لما تكنه النفوس، وإدراك لطبيعة الاختلاف بين البشر، فالناس ليسوا نسخة واحدة، تختلف طباعهم، وتتفاوت أفكارهم، وتتعدد تجاربهم، ولكل إنسان ظروفه التي أسهمت في تكوين شخصيته ونظرته إلى الحياة، ومتى عرف الإنسان كيف يتعامل مع الآخرين، استطاع أن يعبر كثيرًا من المواقف بسلام، وأن يحافظ على راحته وراحة من حوله.
ومن الحكمة أن يعرف الإنسان حجم كل موقف، فلا يجعل من الأمور الصغيرة قضايا كبيرة، ولا يستنزف وقته وطاقته في جدال لا ثمرة منه، ولا يدخل في خصومات لا تزيد الحياة إلا تعبًا واضطرابًا، وفي بعض المواقف يكون القليل من التجاهل عين الحكمة، فليس كل قول يستحق الرد، ولا كل موقف يستحق المواجهة، ولا كل شخص يستحق أن نمنحه من وقتنا واهتمامنا ما لا يستحق، وقد قيل: «علاج الجاهل التجاهل» لكن الجاهل هنا ليس بالضرورة من يفتقر إلى العلم أو المعرفة، فقد يكون الإنسان قليل التعليم، لكنه يحمل من الأخلاق والحكمة وحسن التعامل ما يجعله أرقى من كثير من المتعلمين.
إنما الجهل الذي ينبغي أن نحذر منه هو جهل السلوك والتصرف، ذلك الذي يدفع صاحبه إلى الإساءة، والكذب، ونقل الكلام، ونشر الإشاعات، والتقول على الناس بما ليس فيهم، وبناء الأحكام على الظنون، وتحويل الشكوك إلى حقائق، وقد يعادي الإنسان غيره دون أن يعرفه حق المعرفة، وربما يبني موقفًا على كلمة سمعها، أو قصة نقلت إليه، أو ظن لم يتحقق منه، وهنا تبدأ المسافة بين الناس بالاتساع، ويصبح سوء الفهم بابًا للخلاف والقطيعة، والإنسان الواعي لا يجعل نفسه أسيرًا لكل ما يقال، ولا يسمح للآخرين بأن يقودوا مشاعره حيث يريدون، فهو يعرف متى يستمع، ومتى يوضح، ومتى يرد، ومتى يكون الصمت أبلغ من الكلام، ومتى يكون التجاوز أكثر حكمة من الاستمرار في المواجهة، وليس معنى التجاهل أن نسكت عن الظلم، أو نقبل الإساءة، أو نتنازل عن الحقوق، وإنما الحكمة أن نفرق بين موقف يحتاج إلى موقف، وموقف يحتاج إلى تجاوز، فليست القوة في أن تنتصر في كل نقاش، وإنما القوة في أن تعرف أي نقاش يستحق أن تدخله، وأي موقف يستحق أن تتجاوزه.
وفي حياتنا مع الآخر نحتاج إلى التسامح وسعة الصدر، وحسن الظن ما أمكن، واحترام الإنسان للإنسان، فالذي يعرف قيمة نفسه لا يحتاج إلى التقليل من الآخرين، والذي يملك الثقة لا يبحث عن صناعة العداوات، والذي يحمل السلام في قلبه لا يوزع الخصومة على من حوله، ومع ذلك، فإن حسن التعامل لا يعني أن نجامل الخطأ، ولا أن نسمح لأحد بتجاوز حدودنا، فهناك مواقف يكون فيها الحزم ضرورة، كما أن هناك مواقف يكون فيها العفو أجمل، ومواقف أخرى يكون فيها الابتعاد أكرم للنفس وأحفظ للسلام الداخلي.
إن أجمل ما في الإنسان أن يستطيع أن يعيش مع الآخرين دون أن يفقد نفسه، وأن يكون طيبًا دون سذاجة، ومتسامحًا دون ضعف، وحازمًا دون قسوة، وما أجمل أن نرد الكلمة الطيبة بأطيب منها، وأن نقابل الإساءة بالحكمة، وألا نجعل أخطاء الآخرين سببًا في أن نفقد أخلاقنا، فالآخر قد يكون مختلفًا عنا، وقد لا نتفق معه في الرأي أو الأسلوب أو طريقة التفكير، لكن الاختلاف لا ينبغي أن يتحول إلى خصومة، ولا أن يكون سببًا لإلغاء الاحترام، فإن الحياة لا تقوم على التشابه الكامل، وإنما تقوم على معرفة كيف نعيش مع الاختلاف، وكيف نحفظ للإنسان كرامته، ولأنفسنا أخلاقها، وفي هذا المعنى العظيم، جاءت رسالة الإسلام لترفع شأن الأخلاق وتجعلها أساسًا من أسس التعامل بين الناس، فما أجمل أن نعيش في هذه الحياة، ونترك خلفنا أثرًا يقول:
مرّ من هنا إنسان، فأحسن، وتسامح، وأكرم، ذلك الإنسان الذي لم يجعل اختلافه مع الآخرين سببًا في أن يفقد جمال أخلاقه.



